الشيخ محمد رشيد رضا

356

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فينقلها العصب المتصل بها إلى مركز إدراك الكلام من دماغه ، فيدرك معناها المدلول عليه بها بأقوى مما يدركه من قرأها مخطوطة في كتاب ، لما لجرس الصوت من التأثير الخاص ، فمن ذا الذي خلق هذه الآلات ؟ ومن ذا الذي ألهمها إبداع هذه المعاني في الأصوات ؟ ومن ذا الذي وضع هذا النظام في الهواء ؟ ثم إذا ازداد علما بادراك البصر للمبصرات ، وما لها من المقادير والألوان والصفات ، وما للعين الباصرة من الشكل المحدب ، وما لها من الطبقات والرطوبات ، الموافقة لسنن اللّه في النور الذي تدرك به المرئيات ، مما هو مبسوط في الاسفار وموجز في المختصرات ، ازداد يقينا بان ذلك من آيات اللّه الدالة على علمه وحكمته في الكائنات ، وإن غفل عنها المشغولون عن عظمة الصانع بعظمة المصنوعات ، وقد وحد السمع لأن إدراكه لجنس واحد هو الأصوات ، وجمع البصر لتعدد أجناس المبصرات ، وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ أي ومن ذا الذي يملك الحياة والموت في العالم كله فيخرج الأحياء والأموات بعضها من بعض فيما تعرفون من المخلوقات التي تحدث وتتجدد وفيما لا تعرفون ؟ فما كانوا يعرفون ان النبات يخرج من الأرض الميتة بعد إحياء اللّه تعالى إياها بماء المطر النازل عليها من السماء أو النابع منها بعد ان سلكه اللّه تعالى فيها كما قال ( 39 : 21 أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ) الآية . بل كانت الحياة المعروفة عندهم قسمين حياة النبات وآيتها النمو ، وحياة الحيوان وآيتها النمو والاحساس والحركة بالإرادة ، وكانوا يعدون وصف الأرض بالحياة مجازا ، ولم يكونوا يصفون أصول الاحياء بالحياة كالحب والنوى وبيض الحيوان ومنيه ، ولذلك فسر بعض المفسرين اخراج الحي من الميت والميت من الحي بخروج النخلة من النواة والطائر من البيضة وعكسهما وما يشابههما ، وهو تفسير صحيح عند أهل اللغة غير صحيح عند علماء الحياة النباتية والحيوانية ، وتحصل به الدلالة المقصودة من الآية على قدرة اللّه وحكمته وتدبيره ورحمته عند المخاطبين ، وليس المراد به وضع قواعد فنية للحياة وأنواعها وتحديد وظائفها ، على أنه يمكن تفسيرها بما يتفق وقواعد الفنون وتجارب العلوم التي تزداد عصرا بعد عصر ، فإذا كان أهلها